سيد محمد طنطاوي

192

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وفي أول سورة الجاثية نجد قوله - تعالى - : حم . تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّه الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . وفي أول سورة الأحقاف نجد مثل هذا الافتتاح . وفي أول سورة فصلت نجد قوله - تعالى - : حم . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . وفي صدر سورة « يس » نجد قوله - سبحانه - : تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ . لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ . . . ولا يخفى أن ذكره - سبحانه - لبعض أسمائه الحسنى ، بعد ذكره لتنزيل هذا القرآن على قلب رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم فيه ما فيه من الثناء على القرآن الكريم ، ومن بيان أنه قد نزل من عند اللَّه - تعالى - وحده ، الذي له الخلق والأمر . تبارك اللَّه رب العالمين . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدعو الناس إلى قبول هذا الكتاب ، وإلى العمل بهداياته ، فقال - تعالى - : * ( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ . . . ) * . أي : هذا الكتاب هو تنزيل من عند اللَّه - تعالى - الغالب على كل شيء . والحكيم في أقواله وأفعاله . وقد أنزله - سبحانه - عليك - يا محمد - تنزيلا ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل ، أو ما يشبه الباطل ، وذلك يوجب قبوله والعمل بكل ما فيه . قال الآلوسي : قوله - تعالى - : * ( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ) * بيان لكونه نازلا بالحق ، وتوطئة لما يذكر بعد . . . أو شروع في بيان المنزل إليه ، وما يجب عليه إثر بيان شأن المنزل . . . والباء متعلقة بالإنزال ، وهي للسببية ، أي : أنزلناه بسبب الحق . أي : إثباته وإظهاره . أو بمحذوف وقع حالا من المفعول وهي للملابسة . أي : أنزلناه ملتبسا بالحق والصواب . والمراد أن كل ما فيه موجب للعمل والقبول حتما « 1 » . والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَاعْبُدِ اللَّه مُخْلِصاً لَه الدِّينَ ) * لترتيب ما بعدها على ما قبلها . والعبادة : أقصى درجات التذلل والخضوع للمعبود - عز وجل - والإخلاص معناه : أن يقصد المسلم بعبادته وقوله وعمله وجه اللَّه - تعالى - . أي : أنزلنا إليك - أيها الرسول الكريم - هذا الكتاب بالحق الذي لا يشوبه باطل ، وما دام الأمر كذلك فعليك أن تخلص لربك عبادتك وطاعتك ودينك إخلاصا تاما ، لا يحوم حوله

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 23 ص 233 .